الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

116

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يخرجن إلى المساجد ودعوة المسلمين . وقوله : وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ هذه بعض الأحوال المضادّة للصلاح وهو النشوز ، أي الكراهية للزوج ، فقد يكون ذلك لسوء خلق المرأة ، وقد يكون لأنّ لها رغبة في التزوّج بآخر ، وقد يكون لقسوة في خلق الزوج ، وذلك كثير . والنشوز في اللغة الترفّع والنهوض ، وما يرجع إلى معنى الاضطراب والتباعد ، ومنه نشز الأرض ، وهو المرتفع منها . قال جمهور الفقهاء : النشوز عصيان المرأة زوجها والترفّع عليه وإظهار كراهيته ، أي إظهار كراهية لم تكن معتادة منها ، أي بعد أن عاشرته ، كقوله : « وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا » . وجعلوا الإذن بالموعظة والهجر والضرب مرتّبا على هذا العصيان ، واحتجّوا بما ورد في بعض الآثار من الإذن للزوج في ضرب زوجته الناشز ، وما ورد من الأخبار عن بعض الصحابة أنّهم فعلوا ذلك في غير ظهور الفاحشة . وعندي أنّ تلك الآثار والأخبار محمل الإباحة فيها أنّها قد روعي فيها عرف بعض الطبقات من الناس ، أو بعض القبائل ، فإنّ الناس متفاوتون في ذلك ، وأهل البدو منهم لا يعدّون ضرب المرأة اعتداء ، ولا تعدّه النساء أيضا اعتداء ، قال عامر بن الحارث النمري الملقّب بجران العود . عمدت لعود فالتحيت جرانه * وللكيس أمضى في الأمور وأنجح خذا حذرا يا خلّتيّ فإنّني * رأيت جران العود قد كاد يصلح والتحيت : قشّرت ، أي قددت ، بمعنى : أنّه أخذ جلدا من باطن عنق بعير وعمله سوطا ليضرب به امرأتيه ، يهدّدهما بأنّ السوط قد جفّ وصلح لأن يضرب به . وقد ثبت في « الصحيح » أنّ عمر بن الخطاب قال : ( كنا معشر المهاجرين قوما نغلب نساءنا فإذا الأنصار قوم تغلبهم نساؤهم فأخذ نساؤنا يتأدّبن بأدب نساء الأنصار ) . فإذا كان الضرب مأذونا فيه للأزواج دون ولاة الأمور ، وكان سببه مجرّد العصيان والكراهية دون الفاحشة ، فلا جرم أنّه أذن فيه لقوم لا يعدّون صدوره من الأزواج إضرارا ولا عارا ولا بدعا من المعاملة في العائلة ، ولا تشعر نساؤهم بمقدار غضبهم إلّا بشيء من ذلك . وقوله : فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ مقصود منه الترتيب كما يقتضيه ترتيب ذكرها مع ظهور أنّه لا يراد الجمع بين الثلاثة ، والترتيب هو الأصل